محمد محمد أبو ليلة

98

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

هو منزله ، سبحانه وتعالى ، هذه حقيقة الحقائق . ومعنى قول اللّه تعالى - الذي استشهد به الكاتب - : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ( التكوير : 19 ) ، إن هذا القرآن لتبليغ رسول " وهو جبريل " كريم ، وقد أسند اللّه القول إلى جبريل ، لأنه تلقى القرآن سماعا من اللّه ، وبلغه تلقينا ومشافهة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكأنه لبلاغه إياه بمثابة قوله ؛ فهو المظهر له حتى أنه لولاه لما عرف أحد القرآن ، فصحت ثمة إضافته إليه ، وقد ينسب كلام الغير إلى من تحمّله أو نقله . كمن تحمل رسالة من رسول ، أو سفير ؛ وذلك كثير الوقوع في العادة « 1 » . ومما يدل على أن القرآن ليس من وضع غير اللّه ، قوله تعالى بعده : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) ( التكوير : 24 ) ، الضمير " هو " يعود على جبريل ، والغيب هو القرآن ، الذي كان غيبا قبل أن يعرّفه اللّه به ، ويحمّله إياه ؛ ومعنى " بضنين " أي بممسك له وكاتم إياه ، ثم إن كلمة رسول ذاتها ، توحى بأن دور " جبريل " عليه السلام ، كان دور السفير المكلّف لا المبدع المؤلّف ، وأن اللّه أرسله بهذه الرسالة الخاتمة لا غير ، فليس له إذن فضل إلا فضل النقل والتلقين . أضف إلى ذلك دلالة مواقع الإشارة في الآيات التي بعدها : وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) يعنى أن القرآن ليس من قول الشيطان الرجيم ، أي المبعد عن رحمة اللّه ، المطرود من حضرة قدسه الأعلى ؛ ومعنى كلام اللّه تعالى كما في هذه الآية أن الشيطان لا يقدر على حمل القرآن ، ولا يستطيع تبليغه ؛ فإن القرآن قاصم لظهور الشياطين . وإذا كان اللّه عبر هنا بلفظة " قول " التي قد يسهل على الجافي غير المنصف تحريفها عن معناها ، فإن اللّه تعالى عبر عن ذلك بلفظة " تنزل " في موضع آخر ، والقرآن كالماس يجلّى بعضه بعضا ، يقول تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) ( الشعراء : 210 : 212 ) ، وقوله تعالى : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) ( التكوير : 26 ) يعنى أن جميع الطرق مسدودة أمامكم ، إلا طريق التسليم بأن القرآن هو كلام اللّه بلغه ملاك كريم أمين غير متهم إلى رسول عظيم معصوم . وفي هذه القرينة ننبه على لطيفة قرآنية تتجلى في قول اللّه تعالى : " بقول شيطن " ولم يقل " بكلام شيطان " إذ أن هناك فرقا بين الكلام والقول ، فقد أجمع المسلمون على أن

--> ( 1 ) انظر : القاضي عبد الجبار وتنزيه القرآن عن المطاعن 452 .